سبخة الكوز

تمتد سبخة الكوز لأكثر من 15 كيلومتر جنوب غرب مدينة توكرة، وهي من الأراضي الرطبة الساحلية التي تقع على مستوى سطح البحر أو قريبة منه. تصب فيها مياه الأودية والسيول المنحدرة من مرتفعات الجبل الأخضر حيث تختلط بمياه البحر المالحة مكوّنة نظاماً بيئياً  وموائل ملائمة للحياة البرية والحيوانية المتنوّعة في أجزاء كثيرة منها.

Continue reading

Advertisements

بنغازي وليدة البحر

ولدت بنغازي من البحر … طوقها البحر بأذرعه الرطبة وتخللتها أنامله اللينة ونسيمه العليل … غير البحر موضعها الأول الذي أقامت فيه قرونها الثلاثة الأولى ونقلها إلى مكان أقرب إليه ليسهل عليه احتضانها كما تحتضن الأم وليدها وتحن عليه … قام البحر بدور البوصلة في تحديد اتجاهات شوارعها وميادينها وأحيائها ونمط مساكنها ووفّر بعض مواد بناءها … حماها من قيض الصيف بنفثات من أنفاسه العليلة كما حماها من زمهرير الشتاء وغضبه … تكفلت بالمهمة الثانية الأصعب أذرعه الرطبة التي شكلت هلالا واقيا حولها تنتهي فيه مياه السيول والأودية المنحدرة من الهضبة الحنون التي ترنو إليها من عُلُوٍّ قًريب … بل وفر البحر لها أهم مفردات تجارتها التي صارت كُنْيَتُها التي تُعرف بها وربطها بغيرها من موانئه على سواحله الجنوبية والشمالية والشرقية … وأحيانا حمل إليها سفن الغزاة وأطماعهم، كما حمل لها سفن تجارتهم، ونقلت سفن تجارتها إليهم إنتاج ظهيرها الزراعي/الرعوي الكبير وحمول قوافلها العائدة من مجاهل افريقيا عبر دروب الصحراء الهائلة … أعطاها موقعها المتميّز عند انعطاف ساحل البحر في اتجاه الجنوب الغربي اسمها الأول الهليني، يوسبيريدس (القرن السادس قبل ميلاد السيد المسيح)، الذي استبدله البطالمة الهلنستيين، ومن بعدهم الروم، ببرينيكي أو بيرينيس (منتصف القرن الثالث قيل الميلاد) بعد أن جفت البحيرة التي كانت تربط يوسبيريدس بالبحر وتصلها بعرضه … وأقاموا المدينة هذه المرة على شواطئه مباشرة … وعندما عُرِّب اسمها الأخير ليصبح برنيق توسعت علاقاتها، برا هذه المرة، لتلحق بركب القوافل التي تجوب الصحراء من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها وصار إقليمها يُعرف باسمها. تعاون البحر والوادي عبر القرون الغابرة في رسم طوبوغرافيتها وتنوّع انتاجها، ولكن يستمر البحر في حِفظ سِرّ ولع أهلها الشديد بها وحنينهم الدائم إليها وإذكاء هويتها في كل زمان، فقد كان مشهود لها من قبل الرحالة العرب الذين زاروها خلال العصور الوسطى بوصفها المدينة صاحبة أجمل لحظات الغروب التي يمكن مشاهدتها … كيف لا والشمس تسقط في بحر أقصى مدن الغرب البرقاوي … معاني ودلالات وأساطير كثيرة ترتبط بمدينتنا لا يتسع المجال لذكرها وإن ارتبطت رباطا وثيقا بنشأتها ومورفولوجيتها وتاريخها وجغرافيتها وثقافتها … ولكن تبقى معانيها ودلالاتها القديمة والحديثة تشير إلى المدينة الكوزموبوليتية الحقة المؤلفة من عناصر اجتمعت من مختلف أرجاء ليبيا وجزيرة العرب وحوض المتوسط وبلاد الشام وإفريقيا، مزيج حضري حقيقي سابق للعصر يندر وجوده.
منصور البابور
رمضان سنة 1437
Gallipolis, OH
June 11, 2016
الرسم للأخوين بيتشي اللذين زارا بنغازي سنة 1821 %d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b3%d9%85-%d9%84%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%88%d9%8a%d9%86-%d8%a8%d9%8a%d8%aa%d8%b4%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%b0%d9%8a%d9%86-%d8%b2%d8%a7%d8%b1%d8%a7-%d8%a8%d9%86%d8%ba%d8%a7%d8%b2